قيس سعيّد يعلم جيدا أن موقع تونس الاستراتيجي سيحميه من عربدة الولايات المتحدة


موقف قيس سعيّد من التدخل الأمريكي السافر في شؤون تونس ليس كما يقال "قباحة حيوط". فصحيح أن تونس على وشك الافلاس وفي حاجة ماسة للمساعدات الدولية ولقروض صندوق النقد الدولي، وكون الولايات المتحدة الامريكية لها القول الفصل في صرف هته المساعدات والقروض، ولكن قيس سعيد يعرف جيدا المعادلة الاقليمية والدولية الحالية ويعرف جيدا أن استنكاره للموقف الأمريكي واستدعائه للقائم بأعمال السفارة الأمريكية لن يضر بمصالح تونس بل العكس تماما فربما موقفه سيجبر الادارة الأمريكية على مراجعة مواقفها وجرئتها التي تجاوزت حدود الأعراف الديبلوماسية في خصوص حد التدخل في الشأن الوطني.

 
وقيس سعيد يعلم جيدا أن الولايات المتحدة الامريكية هي الولايات المتحدة السابقة وأن الحرب الروسية الأوكرانية الدائرة اليوم لم تحسم لفائدة أوكرانيا في زمن وجيز كما كانت تتوقع بل العكس تماما.
فهذه المعركة استفادت منها روسيا والصين في حين أن المعسكر الغربي الذي يمثل الحزام الداعم للولايات المتحدة تلقى أكبر الخسائر المالية والاقتصادية، واصبح يهدد بالخروج من الحلف الأطلسي بل أن الاتحاد الأوروبي نفسه أصبح مهددا بالإنحلال وانسلاخ بعض الدول الكبرى عنه.
وسعيّد يعلم كذلك أن عديد المحاور الدولية العظمى قد تشكلت، وهي اليوم تشكل تهديدا ومنافسا شرسا للولايات المتحدة الامريكية والدول الغربية المساندة لها مثل المحور الصيني الروسي الذي تقربت منه ايران، والمحور الذي يضم دولة الهند وعدة دول كبرى من أقصى شرق آسيا.
وهذه المحاور الدولية تشكلت حولها محاور إقليمية كبرى مثل المحور المصري الخليجي الذي تمرد على الولايات المتحدة الامريكية واصبح يقايضها في صداقته معها باستقلالية قراره في ادارة شؤونه الداخلية وسيادته الوطنية.
 
إذ لم يكن يجول بخاطر أي أنسان ولم يكن أحد منا يتوقع حجم الإهانة التي تلقاها الرئيس جو بايدن من مصر ودول الخليج في زيارته الأخيرة للمملكة العربية السعودية الأسبوع الماضي، فكلمة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي التي دامت قرابة 15 دقيقة كانت رسالة تهديد وتمرد على التدخل الأمريكي في شأن دول هذا المحور.
والسيسي قالها عاليا في وجه بايدن بانه وحلفائه هم أصحاب القرار داخل دولهم ولن يسمحوا له بعد الآن بأن يبتزهم أو يلقي بدولهم في صراعات لا رابح منها غير الولايات المتحدة الامريكية.
 
أما الإمارات العربية المتحدة فقد وجهت وزير خارجيتها لدولة ايران حاملا رسالة سلام وصداقة وذلك في تحد صارخ للولايات المتحدة الامريكية يوماً واحدا فقط قبل حلول بايدن لقمة السعودية.
والجزائر نفسها فهمت قوة هذا المحور المصري الخليجي، فهمت أنها خسرت جارتها المغرب التي تحدها من الجهة الغربية، وفهمت أن خسارتها لجارتها تونس التي تحدها من الشرق سيجعلها محاصرة من كل الجهات،
ولهذا السبب بالذات غيرت سياستها مع تونس واسقطت مساندتها الخفية لحركة النهضة واستدعت قيس سعيد وتصالحت معه، بل وساعدته على فرض هدنة مع اتحاد الشغل واستدعت نور الدين الطبوبي ورفعت عقوباتها على حكومة قيس سعيد بأن فتحت الحدود البرية مع تونس لاعطاء دفع لانتعاش الإقتصاد التونسي.

واهم من يعتقد ان هته الحدود قد اغلقت بسبب وباء الكورونا بل اغلقتها الجزائر لاسباب سياسية وللضغط على قيس سعيد بسبب تقاربه من دولة مصر التي تعتبرها خصما خصوصا لاسباب تتعلق بالملف الليبي وايضا لانها كانت تخشى من تنامي الارهاب بسبب اقصاء حركة النهضة بما يضطرها الى تحويل جزء كبير من جيشها المتمركز في حدودها الغربية مع المغرب.
 
فسعيّد ليس بعيدا عن هذا المحور المصري الخليجي لانه يعلم أن الولايات المتحدة الامريكية ليست اليوم في وضع يسمح لها بواصلة سياسة الغطرسة والإملاأت والأوامر غير القابلة للنقاش التي كانت تنتهجها مع الدول العربية كما يعلم جيدا ان الولايات المتحدة غير مستعدة للتخلي عن الدول العربية التي كانت تتبعها والتي بامكانها اليوم قطع العلاقة معها وتحويل وجهتها نحو محور دولي آخر مثل الصين وروسيا.
 
قيس سعيّد يعلم جيدا أن موقع تونس الاستراتيجي وقربه من المحور الاقليمي المصري الخليجي سيحميه من عربدة الولايات المتحدة الامريكية، وأن هذه الأخيرة لا حل أمامها سوى مواصلة تقديم المساعدات لتونس حتى ولو تمرد عليها.