الزمن ليس عاملا محايدا في الصراع السياسي و صناعة موازين القوى


منذ انقلاب جويلية الماضي، تستمر النقاشات في الساحة الوطنية، بصفة مباشرة او بصفة غير مباشرة بين الديمقراطيين، والتي عبر عنها أصحابها وكرروها في نصوص مكتوبة ومتماسكة والديمقراطية التي أقصدها هنا بسيطة بساطة الماء. 

هذه الدمقراطية هي اولا خلق التواضع والتنسيب، ومن ثم لجم النفس على الاستعلاء على الاخرين والاستهزاء بأفكارهم وعقائدهم الى درجة تصل الى نفي حقهم في التعبي. انه خلق في منطقة حدها الاعلى التأله  حدها الأدنى قبول منزلة العبودية على حد تعبير الاستاذ مالك بن نبي. انها اقرار بالحق في التنوع واحترام له. وهي ثانيا اقرار بعلوية الارادة الشعبية المعبر عنها في الانتخابات الدورية للفصل بين مختلف الاطروحات والمواقف والترشيحات في كل ما يتعلق بادارة حياة المجموعة في مستوياتها المختلفة والالتزام بنتائجها المعبرة عن الشرعية وترتيب الاوضاع على اساسها وضبط صيغ تسمح باللجوء لهذه الارادة في حالات استثنائية او طارئة.

لقد كانت لحظة 25 جويلية كاشفة اذ بينت الفجوة بين الإسهال اللغوي في الانتساب للديمقراطية وحقيقة الانتساب لها في مؤشراتها البديهية. ومع ذلك فقد فتحت نقاشات داخل الصف الديمقراطي بالتعريف التقريبي الذي ذكرناه في قراءة المشهد و تصنيف القوى اولا ،ثم بعد ذلك في اعتماد الاستراتيجية السياسية المناسبة والتكتيكات والتحالفات التي تحقق أهدافها العليا. وفِي الحقيقة لم يكن الاشتغال في هذه المنطقة سهلا، اذ ان هذا التموقع الديمقراطي كان في ملتقى قصف من ثلاثة مصادر، وكأن أصحابه يسيرون في حقل الغام. 

ففي الاشهر الاولى كان العالم مانويا، فيه قيس سعيد من جهة وحركة النهضة من جهة. وفِي الاشهر الاخيرة دخلنا عقيدة التثليث بالتحاق الاتحاد العام التونسي للشغل ليصبح القانون الثالث. ولا تستطيع الا ان تكون تابعا للاب او الابن او روح القدس. اقصد بالنهضة هنا ،وكذلك اتحاد الشغل ،محصلة القرار السياسي والفاعلون فيه، المتمايزة في تقديري عن دوافع واشواق القاعدتين النهضوية والنقابية، إذ في هذه الحركية الفكرية و السياسية، قادتني و تقودني مجموعة خلاصات، و هي مهمة بالنسبة لي في فهم اللحظة الراهنة، و في توقع المآلات القريبة ،و في التفكير بعيد المدى:

أولا: التحليل السليم شرط أساسي من شروط اتخاذ الموقف السليم سواء في تحديد خارطة الفاعلين او تصنيفهم وفقا لمسطرة مضبوطة او توقع سلوكهم. وفِي هذا السياق اظن ان احدى اخطاء العقل السياسي السائد (ما قبل 25 وما بعده )عدم الانتباه الى خصوصية تفكير وتصرف الفاعل الاساسي قيس سعيد. ان استصحاب اساليب التحليل والتعاطي التي اعتمدت مع فاعلين من نمط الباجي قائد السبسي ومنصف المرزوقي وراشد الغنوشي و حسين العباسي ونجيب الشابي وحمة الهمامي وعبير موسي ادى الى اخطاء كارثيةفي الفهم و بالتالي الى اخطاء كارثية في التعامل

ثانيا: الموقف مضمون والتوقيت فالمواقف هي تعبير عن انحياز ما، وبالتالي فهي ليست محايدة بل هي تعبير الى انخراط في معسكر ما و بالتالي فهي عنصر أساسي من مكونات تشكيل موازين القوى في لحظة ما. ويمكن بالتاكيد تغيير المواقف حسبما تطورات الوقائع و تباين الرهانات و المصالح و التقديرات ولكن هذا لا يلغي ضرورة إصدار احكام بخصوص المواقف السابقة و تحمل مسؤوليتها من منظار التاريخ .

ثالثا: المواقف تقاس بمآلاتها بقطع النظر عن نوايا أصحابها و لا بصياغاتها اللغوية . فنوايا الفاعلين مهمة في التقييم الاخلاقي وفِي المآل الأخروي اما في عالم الكون والفساد فالمهم في الموقف السياسي اثاره و نتائجه

رابعا: الالتقاء في الموقف لا يعني بالضرورة وحدة الدوافع فمساعي تشكيل المشهد بعد الانقلاب تقودها خلفية البحث عن الحد الأدنى المشترك ،ولذلك لا تخفى التباينات في الدوافع و الأسقف على المنخرط و المتابع صلب الجبهات بصدد التشكل.  فعلى سبيل المثال، نذكر التباينات صلب الجهة الاكثر نشاطا في مقاومة الانقلاب (مواطنون ضد الانقلاب /المبادرة الديموقراطية ،جبهة الخلاص ). ففي قراءة تبسيطية اراها تتشكل من مكونين :الاول لا علاقة مباشرة له بادارة شؤون البلاد قبل 25 جويلية يقوده التزامه الديموقراطي ،والثاني مكون تحمل مسؤولية رئيسية في ادارة شؤون الحكم قبل 25 وقد تختلط في دوافعه القناعة الديموقراطية بالموقف الطبيعي لكل صاحب سلطة ازيح بغير وجه حق من موقعه.  ولكل مكون من هذين المكونين واجباته المخصوصة ويمكن لهذا التشكيل ان يتقدم اذا ترددالمكون شريك الحكم في تقديم قراءته للمرحلة السابقة و استخلاص الدروس منها و تحمل نصيبه من المسؤولية عند الاقتضاء ،لعل ذلك يساعد على فك الحصار عن الشارع السياسي وبناء جسور مع الشارع الاجتماعي الحاسم والقادم .

خامسا: الانقلابات لا تقاوم في التفاصيل و انما في الكليات فصاحب السلطة هو دائما صاحب المبادرة، وهو الذي يفرض اجندته ونسقه، فمشكلة المقاومات حينما تضيع البوصلة وتغفل ان الانقلاب هو بالتحديد تغيير لاأخلاقي و جذري للاوضاع وان مناقشته في التفاصيل هو بالضبط سقوط في فخه و تمكين له .

سادسا: الحلول مرتبطة بشروط موضوعية وليس بتمنياتنا ورغباتنا. فاحيانا نخلط بين التحليل بما هو نشاط عقلي يفترض فيه التحلي باقصى درجات الصرامة وان شئنا "التشاؤمية =غرامشي " وبين رغباتنا و احيانا مخاوفنا "من "المجهول او الخوف "على "الدولة او الشعب او الثورة . وفي الاخير يجب ان نذكر بَعضنا بمنزلتنا الانسانية ذات الحدود (للاسف )،كما يجب ان نذكر بَعضنا بوجود وضعيات لا تتوفر على حلول ،وهذا تمرين معلوم في الرياضيات. وعدم وجود الحلول لا يعني بالضرورة الفراغ اذ تهتدي كل "السيستامات "دائما الى ترتيبات ما تعبر عن حالة توازن الانسداد تلك ،و لكنها ايضا تساهم لاحقا في تجاوز تلك الحالة و في اعادة الاعتبار للعقل في الفهم وفي التوقع و اعادة الاعتبار للارادة كي تستعيد قدرتها على البناء ،وان تطلب ذلك وقتا ،ولكن ذلك لا يهم كثيرا اذ ان منطق زمنية المسارات الكبرى والطويلة مختلف عن منطق أعمارنا وقدرتنا كافراد .

سابعا: أبدى اتحاد الشغل والصورة المركبة، في يوم الإضراب العام  بعض الملاحظات بشان موقع ودور الاتحاد العام التونسي للشغل (كإدارة وسياسة )، إذ تسود سردية أسطورية لاتاريخية في النظر الى الاتحاد تروجها قيادات المنظمة عند التعبئة ويروجها بعض المتسيسين الباحثين عن مظلة تعوضهم ضعف الاحزاب التي يفترض ان تعبر عنهم ،وبجانبها تروج نظرة وظيفية تعتبر الاتحاد حصنا يمكن ان يحمي الديموقراطية و العدالة الاجتماعية .والاتحاد هو منظمة بشرية تختلط في ادائها ،مثل كل المنظمات العريقة و المتنوعة و الممتدة محطات التالق مع محطات اقل تألقا ،وقد تقودها دوافع متباينة بين قاعدتها (التي تستعمل احيانا وقودا في معارك السلطة )وبين قيادتها و بين بيروقراطيتها الواسعة والتي تعاني أمراض سائر البيروقراطيات ،ولعل المنظمة لم تتخلص من ارث اوضاع الاستبداد حينماجمعت الى وظيفتهاالاجتماعية وظيفة الملاذ لعمل سياسي لم يجد الفضاء المناسب للتعبير عن نفسه بطريقة سليمة. وهذاالدور "الحزبي "تواصل بعد الثورة ،وهذا من أمراضها .وفي هذا حديث طويل يحتاج الى هدوء ولكن يحتاج ايضا الى توضيح .فنقد الاداء السياسي للاتحاد او غيره لا يعني بحال التساهل مع مخططات الانقلاب استهدافه في مسعاه لابتلاع الدولة و كل الفضاء العام .

 وفي التعامل مع 25جويلية وبعده، اخطات قيادة المنظمة اخطاء استراتيجية تترتب عنها احكام لا يجب التردد في اطلاقها كي نتخلص من الرهانات الخاطئة، لقد اخطا الاتحاد قراءة شخصية سعيد (مثل غالب المشهد) وراهن على ركوب الانقلاب لتحويله من انقلاب غبي الى انقلاب ذكي يستثمر خبرة تاريخية في التكتيك و المناورة .هذا يعني ان الاتحاد اختلف على سعيد على ارضية الانقلاب لا خارجها .هذا يعني ان الاتحاد منظمة غير ديمقراطية وفقا للمؤشرات التي وضعناها أعلاه. واتاحت الصراعات على الوصول الى المؤتمر وتمرير الفصل 20 للمنقلب زمنا للانقلابي ليتمكن (22سبتمبر والمرسوم 117 و 13 ديسمبر والأجندة )، إذ أن آخر بيان للهيئة الادارية كان خطأ استراتيجيا اخر. بقطع النظر عن الإنشاء هذا البيان هو عرض لصفقةعلى الانقلاب و هو انتقال من مقاربة ركوب الانقلاب الى مقاربة فسح المجال في السياسي و الانسحاب الى الاجتماعي .

ومرة اخرى، الانقلاب لا يقاوم والدولة مهددة ومن لم ينخرط في هذه المعركة لن يجني اي مكسب ، ونتحدث عن تمرير المساواة في الارث عند بعض الصديقات، او التخلص من عبء الفصل الاول عند بعض الاصدقاء ،او تخفيض سرعة بيع البلاد للمؤسسات الدولية.

ومرة اخرى يقود الخطا في قراءة شخصية سعيد الى قراءة خاطئة والى مواقف خاطئة. فانا مع الدور الاجتماعي و النضال الاجتماعي للاتحاد و لكن سعيد يعول على التهرئة وعلى التجاهل . واليوم أوجه إليه رسالتين:الاولى عدم ترؤسه لمجلس الوزراء و كأن لا شيء في البلاد ،و الثانية تلك الصورة المستهترة لفريق الصدفة في القصبة.

لعلنا نحتاج الى كثير من الخيال لفهم "عقل" مغاير و التعامل معه. وبقطع النظر عن التفاصيل فان دستور سعيد (ولا علاقة له في تقديري لا بالصادق بلعيد ولا بأمين محفوظ ) سيتجه الى نظام رئاسي، وأسهل للقوى الخارجية صناعة شخص والمراهنة عليه من التأثير في خارطة برلمانية كما كان الشان في النظام السياسي منذ الثورة.
 
هذا الخيار من شأنه ايضا ان يحد من التأثير السياسي للتيار المحافظ الذي سيتواصل حضوره دون اللجوء الى الخيارات الامنية والقضائية. كما ان سياسة تحجيم دور الأجسام الوسيطة سيطال اتحاد الشغل لمحاولة ارجاعه الى المربع النقابي، وهذا ايضا قد يكون شيئا مرغوبا من رعاة الديمقراطية في العالم.