حول الحكم على شخصين بشهرين سجنا بتهمة التجاهر بالإفطار...على ماذا نصّ الإسلام؟


قرأت منذ قليل هذا الخبر في تونس: الحكم على شخصين بشهرين سجنا بتهمة التجاهر بالإفطار. لا أدري إن كان هذا الخبر صحيحا، لغرابته، فلا يوجد في القانون التونسي تهمة اسمها "التجاهر بالإفطار" ولن أناقش الثغرات القانونية وتعارض هذا الحكم مع الدستور الذي يحمي حرية الضمير والمعتقد ولكن دعنا نتناول المسألة من ناحية دينية بحتة.
 
هل يوجد في الدين الإسلامي، وأقصد هنا القرآن، عقاب لمن أفطر عامدا في رمضان؟ الجواب: لا. بل دعنا نتقدم أكثر وربما سأصطدم القارئ بما سأقوله الآن: هل تعلم أنّ صوم رمضان ليس فرضا مثلما هو شائع؟ من المؤكّد أنّ الكثيرين سيضحكون من كلامي هذا ولكن هيّا نفتح المصحف على سورة البقرة ونذهب إلى الآية رقم 183 و184، سنقرأ التالي: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ‌وَعَلَى ‌الَّذِينَ ‌يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ".
 
ركّزوا مع على كلمة "وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين" أي أنّ الذين يستطيعون الصيام (يطيقونه) ولكنهم لا يصومون فعليهم إطعام مسكين، ولكن إذا تطوّعوا وأطعموا أكثر من مسكين واحد فهو خير (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) ثمّ يختم القرآن قائلا: " وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ".
 
ربما سيتهمني البعض بأني أفسر القرآن برأيي، ورغم أنّ المفسرين أنفسهم يفسرون القرآن برأيهم، ولكن لابأس هيّا نفتح تفسير الطبري الذي يورد اقوالا متعددة ومنها هذا التفسير: "كان ذلك في أول ما فرض الصوم، وكان من أطاقه من المقيمين صامَه إن شاء، وإن شاء أفطره وَافتدى، فأطعم لكل يوم أفطره مسكينًا، حتى نُسخ ذلك".  ويستشهد الطبري برواية عن سلمة بن الأكوع أنّه قال: "كنا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء صام، ومن شاء أفطر وافتدى بطعام مسكين، حتى أنزلت:"فمن شهد منكم الشهر فليصمه".
 
وللتلخيص فإنّ الآية تجيز الإفطار لمن لا يريد الصوم شريطة أن يطعم مسكينا أي فقيرا، لكن المفسرين والفقهاء لم يستسيغوا هذه المسألة فزعموا أنّ هذه الاية منسوخة بآية "من شهد منكم الشهر فليصمه" رغم أنّ لا شيء يثبت أنّ هذه الآية نزلت، يقينا، قبل أو بعد الآية الأخرى، فآلية الناسخ والمنسوخ يستعملها هؤلاء كلما وجدوا تعارضا أو تناقضا في النص القرآني، وكأن الله يقول كلاما ثم يتراجع عنه رغم أن القرآن نفسه يقول" لا مبدل لكلمات الله".
 
قد يقول قائل إن الصوم من أركان الإسلام، سأقول له إنّ حكاية بُنِيَ الإسلام على خمس إنّما هي حديث منسوب لعبد الله بن عمر بن الخطاب ولم يروه أحد غيره في حديث صحيح، ولا يمكن أن يستقيم عقلا، فحين نقول إنّ أركان الإسلام الشهادة والصلاة والزكاة والصوم والحج فهذا يعني أنّ عدم القيام بركن واحد من هذه الأركان يهدم إسلام المرء، فالأركان هي التي تحمله، فهل من المعقول أن نجد الحج مثلا كركن من أركان الإسلام رغم أنّه متوفّر فقط للميسورين؟ فهذا يعني أنّ إسلام الفقير، غير القادر على الحج، إنما هو إسلام ناقص غير مكتمل الأركان وهذا غير منطقي مما يعني أن حديث "بني الإسلام على خمس" حديث موضوع، بل يا ليته كان بُنِيَ الإسلام على هذه الخمس: الشهادة والصلاة والزكاة وبر الوالدين والصدق. أليس صدق المرء ونزاهته أهم من صومه؟ فماذا يفعل الله بجوع وعطش عبده إن كان كاذبا ويغش الناس؟ أليس بر الوالدين أهم من حجّه؟ فماذا يفعل الله برجل يسافر إلى الكعبة يطوف حولها ولا يصل رحمه ولا يبر والديه؟
 
ثم لنفرض أن الآية فعلا منسوخة وأنّ الصوم فرض على المسلمين، فلماذا فرض القرآن الصوم: هاهو يجيبك بنفسه: "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" لماذا كتب الصيام؟ السبب: لعلّكم تتقون. فالإنسان يحاول أن يبلغ التقوى بالصيام، وقد يبلغها بغيره. فهل أن الناس يصومون اليوم من أجل أن يبلغوا التقوى فيكفّوا ألسنتهم عن قول الزور والنميمة ولا يغضبون ولا يشتمون ويصدقون في كلامهم ويتصدقون على الفقراء ويعينون المحتاج ويسيرون على الأرض هونا وإذا دخلوا في خصام قالوا سلاما؟ لا، إن الناس تصوم اليوم فقط من أجل الصوم، من أجل الجوع والعطش، وقد رأيت بأمّ عيني رجلا سقط أرضا من شدة الصيام ولم يشأ ان يشرب ولو كأس ماء، فهل هذا هو الغرض من الصيام؟ تعذيب النفس؟ ثم بعد ذلك مع آذان المغرب نأكل ما لذ وطاب؟
 
عودة إلى أول الموضوع: لم يضع القرآن عقوبة على من أفطر رمضان، بل قد يكون الصيام اختياريا اصلا إذا رفضنا الناسخ والمنسوخ، فكيف يأتي البشر ويضعون عقوبات من تلقاء أنفسهم بدعوى المجاهرة بالإفطار؟ ثم ينبغي في هذه الحالة أن نضع عقوبة ايضا للمجاهرة بعدم الصلاة، فالقرآن يكرر عشرات المرات ضرورة الصلاة ولم يذكر صوم رمضان إلا مرتين فقط، وبالتالي فالأجدر أن نعاقب أيضا من نراه في الشارع في أوقات الصلاة ولا يصلي وهكذا تفخر بنا داعش كما ينبغي ونحوز المرتبة الأولى في الجهل المقدس.